السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
65
مفاتيح الأصول
حكم شرعيّ مع مخالفة الباقين ولذا لو اتّفق النّحاة على إعراب كلمة كان حجّة وأمّا إذا اتّفقوا على أنّ المراد من أقيموا الصّلاة النّدب مع مخالفة الباقين أو مع عدم ظهور وفاق الباقين فلا لأنّهم المرجع في الأوّل دون التالي وبالجملة لاتّفاق الَّذي يكون حجّة في المسائل اللَّغويّة هو اتّفاق جميع من يعدّ من أرباب اللَّغة لا اتّفاق فرقة كالإماميّة والبيانيّة وغيرهما لأنا نقول لم نجعل إجماع الإماميّة كاشفا عن الوضع اللَّغوي ابتداء بل هم كغيرهم فرقة من أهل اللَّغة فلا يقبل قولهم في مقابلة باقي الفرق ولكن نقول اتّفاقهم على وضع لفظ لمعنى كالأمر للوجوب والمشتقّ للمعنى العامّ يكشف عن كون ذلك اللَّفظ موضوعا عند الإمام عليه السلام لذلك المعنى لامتناع خطائهم في معرفة اصطلاح إمامهم وذلك لأنّ اتفاقهم في المسائل الفرعيّة كما يكشف عن حكمه عليه السلام فكذلك اتّفاقهم في مسألة لغويّة يكشف عن معتقده عليه السلام فيها وهكذا الحال في اتّفاق المسلمين على كون لفظ موضوعا لمعنى فإنّه يكشف عن ثبوت الوضع له عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهذا المقدار يكفينا لأنّ المقصود من البحث في نحو هذه استكشاف المراد من الخطابات ومعلوم أن الخطابات الَّتي ينفع غالبا هو خطاب المعصوم عليه السلام نعم لا يستلزم هذا الوضع اللَّغوي قطعا لأن هذا الاصطلاح للإمام عليه السلام كما يمكن أن يكون باعتبار اللَّغة كذا يمكن باعتبار غيرها إلا أن يدفع الثّاني بأصالة عدم النّقل ولكنّها ظنّي والكلام في الدّليل القطعي ومع ذلك فهو إنّما يكون حجّة حيثما لا يكون هناك فرقة أخرى تقول بالوضع لغير ذلك المعنى فإنّه حينئذ يعارض الأصل المذكور مثله كما لا يخفى هذا وقد يحصل القطع من هذا إلَّا يقال بالوضع اللَّغوي وذلك حيث يحصل القطع بانتفاء النّقل ويعلم باتّحاد الوضع في جميع الأزمان كما في مسألة المشتقّ والأمر على التحقيق وهو المنقول بخبر الواحد العدل من هذا الاتّفاق حجّة كالإجماع المنقول في المسائل الفقهيّة أولى الأقرب الأوّل لاتّحاد الدّليل فتأمل مفتاح قد ادعى بعض الأصحاب في مسألة تعارض العام والخاصّ نحو قوله أكرم العلماء ولا تكرم زيد العالم الإجماع على لزوم حمل العامّ على الخاصّ فهل الأصل في هذا الإجماع ونحوه ممّا يدعى في كثير من المسائل اللَّغوية الحجيّة أوّلا إشكال من أن حجيّة الإجماع في المسائل الفقهيّة أنّما هي باعتبار كون المناط فيها قول المعصوم عليه السلام وأنّه يكشف عنه ولا كذلك نحو هذه المسألة لأنّ المناط فيها قول أهل اللَّغة ولذا يعدّ أمثال هذه المسائل من المسائل اللَّغوية لا الشرعيّة نعم تصير مسألة شرعيّة بالمال من حيث إن كلّ ما ثبت كونه في اللَّغة كذلك يجب العمل به في استنباط الأحكام الشرعيّة للبراهين القطعيّة عليه ولكن هذا المقدار لا يصير المسألة مسألة شرعيّة حتّى يناط فيها ما يناط في المسائل الشّرعية ومن أن التّحقيق أنّ السّبب في حجيّته في المسائل الفقهيّة هو كونه كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام الَّذي هو الحجّة وهذا السّبب متحقّق في المسائل اللَّغوية لأن الإجماع فيها أيضا كاشف عن قول من يكون قوله الحجّة وبالجملة المعلوم النقليّة الَّتي يطلب فيها قول الغير ويكون هو المناط فيها يعتبر فيها إجماع المتكفّلين لها من علمائها لأنّه طريق للعلم بقول الحجّة فيها وهو لا يختلف باختلاف موضوعاتها لأن السّبب في إفادته العلم بذلك أمر عقليّ لا يجوز فيه الاختلاف نعم إن جعلنا حجيّة الإجماع في المسائل الفقهيّة مستندة إلى الأدلَّة السّمعيّة من نحو قوله صلى الله عليه وآله لا تجتمع أمّتي على الخطاء أو إلى ما تقرّر في علم الكلام من لزوم وجود الإمام الحافظ للشّرع ليردع النّاس عن الاتّفاق على الخطاء أمكن المناقشة في حجية الإجماع في المسائل اللَّغوية من هذه الجهة كما لا يخفى ولكن التّحقيق أنّ مستند الحجيّة هناك ليس منحصرا في الأمرين ولعلَّه لذا ضاع التمسّك بالإجماعات في المسائل اللَّغوية وبالجملة أنّ الإجماع أمر يوجب العلم فيتبع في جميع مسائل العلوم وإن فرض عدم حصول العلم منه فإن حصل منه الظنّ فهو حجّة في المسائل اللَّغوية بناء على المختار من أصالة حجيّة الظنّ فيها ولا معارض لها هناك ويعضدها فحوى ما دلّ على حجيّة بعض الظَّنون الَّذي هو أضعف من الظنّ الحاصل ممّا ذكر فيها وإن لم يحصل منه الظنّ فالأصل عدم حجيّته لعدم الدّليل عليها حينئذ مفتاح إذا اختلف علماء النّحو أو الصّرف أو البيان أو الأصول في مسألة لغويّة وصار معظمهم في قول ولم يكن هناك دليل يدلّ على أحد القولين أو الأقوال فهل يكون مجرّد مصير المعظم إلى قول دليلا على صحّته ويكون الشهرة هنا نفيد الظنّ والأصل فيه الحجيّة ويؤيّده فحوى ما دلّ على حجيّة الشّهرة في المسائل الفقهيّة وظهور عدم القائل بالفصل بين الأمرين وعدم جواز مزيّة الفرع على الأصل لا يقال لا نسلَّم حجيّة الظنّ في المسائل اللَّغوية بل يجب تحصيل القطع فيها لأنا نقول هذا باطل لأنّ التحقيق أن الظن في اللغات حجّة أما أولا فلاتّفاق العلماء عليه قديما وحديثا كما لا يخفى وأمّا ثانيا فلأنّ تحصيل العلم في المسائل اللغويّة غير ممكن إلَّا نادرا في الغاية وكلَّما شأنه ذلك يجب فيه العمل بالظَّن أمّا الأوّل فواضح في الغاية وأما الثاني فلأنه من مقتضيات قواعد العقلاء والعلماء ألا ترى أنّ أرباب العلوم النقليّة الَّتي لا يتمكن فيها من العلم غالبا يعتمدون على أمارات ظنيّة وعلامات غير يقينيّة فالنّحاة وأهل الصّرف يعتمدون